دخل ملف صناعة السيارات في الجزائر خلال 2025 و2026 مرحلة صناعية أكثر عمقًا. بعدما انتقل من مجرد عودة محدودة للإنتاج إلى مسار يقوم على رفع الأحجام، وتعميق الإدماج المحلي. وتوسيع شبكة المناولة، وتهيئة قاعدة إنتاج قادرة على استيعاب علامات ونماذج جديدة.
ووفق أحدث بيانات المنظمة الدولية لمصنّعي السيارات OICA. بلغ الإنتاج الوطني من المركبات في الجزائر 30,108 وحدات في 2024، مقابل 2,456 وحدة فقط في 2023، أي قفزة تقارب 1,126 بالمائة خلال عام واحد وأكثر من 12 مرة مقارنة بالسنة السابقة. ومع ذلك، فإن هذا المستوى يبقى دون مستوى 2019 البالغ 60,012 مركبة، وأقل من الذروة المسجلة في 2018 عند 70,597 وحدة، ما يعني أن الجزائر عادت فعليًا إلى الخريطة الصناعية، لكن في طور إعادة البناء لا في طور النضج الكامل بعد.
هذه العودة لم تعد تُقرأ اليوم بمنطق رقم الإنتاج السنوي فقط. لأن ما يلفت في الحالة الجزائرية هو التحول التدريجي من تجميع محدود إلى مشروع تصنيع منظّم تقوده ستيلانتيس عبر قاعدة طفراوي بوهران. فمنذ انطلاق الإنتاج الرسمي في 11 ديسمبر 2023، أعلنت المجموعة عن استثمار أولي يفوق 200 مليون يورو لتصنيع أربعة نماذج. مع هدف بلوغ 90 ألف مركبة سنويًا في صيغة CKD بحلول 2026، ورفع التوطين الصناعي إلى أكثر من 35 بالمائة وفق الرؤية الأصلية عند الإطلاق. كما أكدت حينها أن المشروع سيوفر 500 منصب مباشر في 2023، ثم 1,200 منصب بنهاية 2024، وقرابة 2,000 منصب مباشر بحلول 2026، إضافة إلى أكثر من 1,600 منصب غير مباشر عبر شبكة المورّدين. والأهم اقتصاديًا أن ستيلانتيس قدّمت الجزائر منذ البداية كمنصة موجهة ليس فقط للسوق المحلية، بل أيضًا كقاعدة استراتيجية ضمن مخططها الإقليمي في الشرق الأوسط وإفريقيا.
وبحلول الذكرى الأولى للمصنع، بدأت المؤشرات التشغيلية تعطي صورة أوضح عن وتيرة الصعود. ففي ديسمبر 2024، أعلنت ستيلانتيس أن مصنع فيات بطفراوي يتجه لتجاوز 18 ألف مركبة بنهاية السنة، مع بلوغ عدد العمال 1,650 موظفًا، وتحقيق نسبة إدماج محلي تتجاوز 10 بالمائة قبل سنة من السقف التنظيمي المرحلي، وذلك بفضل الشراكة مع خمسة موردين محليين. كما أوضحت أن المصنع دخل في وتيرة تشغيل أعلى بعد إطلاق خط تجميع آلي ثانٍ مخصص لـFiat Doblò في يونيو 2024، ثم إضافة مناوبة رابعة في نوفمبر رفعت الإنتاج المتواصل إلى 17 مركبة في الساعة. وفي الوقت نفسه، وصلت أشغال التوسعة الخاصة بورشات التلحيم والطلاء إلى أكثر من 40 بالمائة، تمهيدًا للانتقال من SKD إلى CKD، أي من التجميع شبه المفكك إلى تصنيع أكثر عمقًا داخل الجزائر.
من توسيع الإنتاج إلى بناء منظومة مناولة محلية
عمليًا، كان عام 2025 هو سنة الانتقال من الاسترجاع الصناعي إلى التثبيت الصناعي. ففي 19 فبراير 2025، أطلقت فيات الجزائر سيارة Doblò Panorama المصنّعة في الجزائر باعتبارها ثالث نموذج يُنتج في طفراوي، بسعر يبدأ من 3,349,000 دينار، وموجهة أساسًا إلى العائلات الجزائرية، بما يكشف أن الرهان لم يعد محصورًا في المركبات النفعية أو الأحجام المحدودة، بل يمتد إلى توسيع العرض المحلي في فئة سيارات الاستخدام العائلي. هذا التطور له دلالة اقتصادية واضحة، لأنه ينقل التصنيع المحلي من منطق “إثبات الحضور الصناعي” إلى منطق “توسيع المزيج المنتج” داخل السوق الوطنية.
لكن الحلقة الأكثر حسماً في 2025 لم تكن إطلاق نموذج جديد فحسب، بل إعادة بناء السلسلة الصناعية المحيطة بالمصنع. ففي مايو 2025، جمعت ستيلانتيس في وهران أكثر من 75 مورّدًا جزائريًا ودوليًا، وأكثر من 200 مشارك، خلال النسخة الثانية من مؤتمر المورّدين، وتم توقيع أربع رسائل نوايا جديدة مع MARTUR وPUREM وSILVERTON وSIGIT-ACS. ثم في يوليو 2025، وعلى هامش القمة الحكومية الجزائرية الإيطالية، وقّعت المجموعة شراكة مناولة جديدة أكدت فيها أن استراتيجيتها للتوطين الصناعي تشمل 13 مورّدًا، وتهدف إلى تمكين المورّدين الجزائريين من توفير أكثر من 30 بالمائة من مكوّنات السيارات المنتجة في طفراوي. في لغة الصناعة، هذه الأرقام تعني أن المشروع لم يعد مصنع تجميع منفصلًا، بل بدأ يتحول إلى نواة منظومة سيارات، وهو الفرق الجوهري بين صناعة قابلة للاستمرار وصناعة تبقى رهينة المجموعات المستوردة.
وجاءت محطة سبتمبر 2025 لتدفع هذا التحول خطوة إضافية إلى الأمام، بعدما أعلنت فيات أن Grande Panda ستكون النموذج التالي المنتج في طفراوي بصيغة CKD، في سابقة وُصفت رسميًا بأنها أول مركبة ركاب تُنتج في تاريخ الجزائر بهذا النمط الصناعي الكامل نسبيًا. ووفق المعطيات الرسمية، ستنطلق Grande Panda بنسبة إدماج محلي تبلغ 20 بالمائة منذ بداية الإنتاج، على أن ترتفع إلى أكثر من 30 بالمائة بحلول 2026، مع بدء الإنتاج التسلسلي بعد تصنيع الدفعات ما قبل السلسلة في نهاية سبتمبر 2025. كما أكدت الشركة أن اكتمال ورشات التلحيم والطلاء في طفراوي هو ما سمح بهذا التحول، أي أن الجزائر بدأت تدخل فعليًا مستوى صناعيًا أعلى من مجرد التركيب النهائي.
طفراوي يراكم مؤشرات التصنيع
وفي ديسمبر 2025، ظهرت الحصيلة التراكمية للمشروع بصورة أوضح. فخلال مشاركتها في الطبعة الثالثة والثلاثين لمعرض الإنتاج الجزائري، أعلنت ستيلانتيس أن مصنع طفراوي أنتج، منذ تدشينه، 70 ألف مركبة، وخلق أكثر من 5,000 منصب مباشر وغير مباشر، وطوّر محفظة توطين تضم أكثر من 300 مرجع قطع موجهة للإنتاج الصناعي و350 مرجعًا إضافيًا لشبكة ما بعد البيع. كما تجاوزت ساعات التكوين 430 ألف ساعة، مع إقامة خمس شراكات أكاديمية مع جامعات ومدارس هندسية جزائرية. اقتصاديًا، هذه الأرقام تعني أن ملف صناعة السيارات في الجزائر بدأ يتحول إلى ملف تصنيع، وتكوين، ومناولة، وسلاسل إمداد، لا إلى ملف تجاري مرتبط فقط بتسويق المركبات. وهي النقطة التي تحدد عادة ما إذا كانت الصناعة تبني قيمة مضافة داخلية أم تكتفي بإعادة تركيب قيمة مستوردة.
غير أن القراءة الصناعية الدقيقة تفرض أيضًا وضع الأرقام الجزائرية داخل سياقها الإقليمي. فبحسب OICA، بلغ إنتاج المغرب 559,645 مركبة في 2024، مقابل 30,108 في الجزائر، فيما بلغ إنتاج إفريقيا باستثناء مصر 1,177,400 مركبة. وهذا يعني أن الجزائر تمثل حاليًا نحو 2.6 بالمائة فقط من إنتاج إفريقيا خارج مصر، وأن الفجوة مع المغرب ما تزال واسعة جدًا، إذ يفوق الإنتاج المغربي نظيره الجزائري بنحو 18.6 مرة. لكن دلالة هذه المقارنة ليست سلبية بقدر ما هي كاشفة لطبيعة المرحلة: الجزائر لم تعد أمام تحدي “إطلاق” صناعة السيارات، بل أمام تحدي “الرفع الصناعي” السريع، أي توسيع الأحجام، وتسريع الإدماج، ورفع عدد الموردين، وتثبيت التنافسية، حتى تتحول من سوق كبيرة للتجميع المحلي إلى قطب صناعي فعلي في المتوسط وإفريقيا.
أوبل تفتح أفق التوسع متعدد العلامات
وفي هذا السياق بالذات، يكتسب التطور المرتبط بعلامة أوبل أهمية استراتيجية. فقد لخّصت OICA في يناير 2026 تقريرًا يفيد بأن أوبل تتجه إلى توطين الإنتاج في الجزائر، على الأرجح داخل قاعدة طفراوي، بهدف تزويد إفريقيا والشرق الأوسط بنماذج ميسورة السعر، مع الانتقال من CKD إلى تصنيع أعمق كلما توسعت السوق ونمت قاعدة الموردين. وإذا تأكد هذا المسار تشغيليًا على الأرض، فإن معناه الاقتصادي سيكون كبيرًا جدًا: الجزائر لن تبقى فقط بلد إنتاج لعلامة فيات داخل ستيلانتيس، بل ستتحول إلى قاعدة إقليمية متعددة العلامات داخل المجموعة نفسها، وهو ما يرفع تلقائيًا من جدوى الاستثمار في الموردين المحليين، وفي التكوين التقني، وفي اقتصاد الحجم الصناعي.
أن صناعة السيارات في الجزائر لم تعد ملفًا استهلاكيًا أو تجاريًا صرفًا. بل باتت تدخل تدريجيًا صلب السياسة الصناعية الوطنية. فالأرقام المتاحة اليوم تقول إن البلاد انتقلت في 2024 إلى 30,108 مركبات على المستوى الوطني. وإن مصنع طفراوي وحده تحوّل خلال عامين إلى منصة إنتاج رفعت الحجم، ووسعت النماذج. وبدأت بناء سلاسل المناولة، وفتحت الباب أمام CKD. ورفعت الرهان من “تركيب سيارات” إلى “بناء نظام صناعي”. أما التحدي الحاسم في 2026 وما بعدها، فلن يكون إثبات النية الصناعية، لأن ذلك بات قائمًا، بل بلوغ العتبة التي تجعل صناعة السيارات في الجزائر قادرة على إنتاج كميات أعلى، ومحتوى محلي أكبر، وتكلفة أكثر تنافسية، بما يسمح بتحويل السوق الجزائرية من سوق استهلاك كبير إلى قاعدة تصنيع إقليمي ذات وزن فعلي في المتوسط وإفريقيا.
المصدر : موقع تادامسا نيوز
The post تقرير دولي .. نقلة غير مسبوقة لصناعة السيارات بالجزائر appeared first on سيارات Live.